عمر السهروردي

586

عوارف المعارف

وقوله تعالى : آمَنَّا بِاللَّهِ * جمع ، ثم فرق بقوله وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا * والجمع أصل والتفرقة فرع ، فكل جمع بلا تفرقة زندقة ، وكل تفرقة بلا جمع تعطيل . وقال الجنيد : القرب بالوجد جمع ، وغيبته في البشرية تفرقة . وقيل : جمعهم في المعرفة وفرقهم في الأحوال . والجمع اتصال لا يشاهد صاحبه إلا الحق ، فمتى شاهد غيره فما جمع ، والتفرقة شهود لمن شاء بالمباينة . وعباراتهم في ذلك كثيرة . والمقصود انهم أشاروا بالجمع إلى تجريد التوحيد ، وأشاروا إلى الاكتساب ، فعلى هذا لا جمع إلا بتفرقة . ويقولون : فلان في عين الجمع ، يعنون استيلاء مراقبة الحق على باطنه ، فإذا عاد إلى شيء من أعماله عاد إلى التفرقة ، فصحة الجمع بالتفرقة ، وصحة التفرقة بالجمع . فهذا يرجع حاصله إلى أن الجمع من العلم باللّه ، والتفرقة من العلم بأمر اللّه ولا بد منهما جميعا . قال المزين : الجمع عين الفناء باللّه ، والتفرقة العبودية متصل بعضها بالبعض . وقد غلط قوم وادعوا أنهم في عين الجمع ، وأشاروا إلى صرف التوحيد ، وعطلوا الاكتساب ، فتزندقوا ، وإنما الجمع حكم الروح ، والتفرقة حكم القالب ، وما دام هذا التركيب باقيا فلا بد من الجمع والتفرقة . وقال الواسطي : إذا نظرت إلى نفسك فرقت ، وإذا نظرت إلى ربك جمعت ، وإذا كنت قائما بغيرك فأنت فان بلا جمع ولا تفرقة . وقيل : جمعهم بذاته ، وفرقهم في صفاته .